الشوكاني
95
فتح القدير
أي إذا هازلتهن تعبيرا عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقيق وقوعه . وقد قيل في توجيه هذا الاستفهام منه تعالى إنه لقصد التوبيخ كما سبق ، وقيل لقصد تعريف المسيح بأن قومه غيروا بعده وادعوا غليه ما لم يقله . وقوله ( من دون الله ) متعلق بقوله ( اتخذوني ) على أنه حال : أي متجاوزين الحد ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لإلهين : أي كائنين من دون الله . قوله ( سبحانك ) تنزيه له سبحانه : أي أنزهك تنزيها ( ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ) أي ما ينبغي لي أن أدعى لنفسي ما ليس من حقها ( إن كنت قلته فقد علمته ) رد ذلك إلى علمه سبحانه ، وقد علم أنه لم يقله . فثبت بذلك عدم القول منه . قوله ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) هذه الجملة في حكم التعليل لما قبلها : أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ، وهذا الكلام من باب المشاكلة كما هو معروف عند علماء المعاني والبيان ، وقيل المعنى : تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك ، وقيل تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه ، وقيل تعلم ما أريد ولا أعلم ما تريد . قوله ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) هذه جملة مقررة لمضمون ما تقدم : أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني ( أن اعبدوا الله ربي وربكم ) هذا تفسير لمعنى ( ما قلت لهم ) أي ما أمرتهم ، وقيل عطف بيان للمضمر في ( به ) وقيل بدل منه ( وكنت عليهم شهيدا ) أي حفيظا ورقيبا أرعى أحوالهم وأمنعهم عن مخالفة أمرك ( ما دمت فيهم ) أي مدة دوامي فيهم ( فلما توفيتني ) قيل هذا يدل على أن الله سبحانه توفاه قبل أن يرفعه ، وليس بشئ لأن الأخبار قد تظافرت بأنه لم يمت ، وأنه باق في السماء على الحياة التي كان عليها في الدنيا حتى ينزل إلى الأرض آخر الزمان ، وإنما المعنى : فلما رفعتني إلى السماء . قيل الوفاة في كتاب الله سبحانه جاءت على ثلاثة أوجه : بمعنى الموت ، ومنه قوله تعالى - الله يتوفى الأنفس حين موتها - وبمعنى النوم ، ومنه قوله تعالى ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ) أي ينيمكم ، وبمعنى الرفع ، ومنه ( فلما توفيتني ) - وإذ قال الله يا عيسى إني متوفيك - ( كنت أنت الرقيب عليهم ) أصل المراقبة : المراعاة ، أي كنت الحافظ لهم والعالم بهم والشاهد عليهم ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) تصنع بهم ما شئت وتحكم فيهم بما تريد ( وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) أي القادر على ذلك الحكيم في أفعاله ، قيل قاله على وجه الاستعطاف كما يستعطف السيد لعبده . ولهذا لم يقل إن تعذبهم فإنهم عصوك ، وقيل قاله على وجه التسليم لأمر الله والانقياد له ، ولهذا عدل عن الغفور الرحيم إلى العزيز الحكيم . قوله ( قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ) أي صدقهم في الدنيا ، وقيل في الآخرة ، والأول أولى . قرأ نافع وابن محيصن ( يوم ) بالنصب ، وقرأ الباقون بالرفع ، فوجه النصب أنه ظرف للقول : أي قال الله هذا القول يوم ينفع الصادقين ، ووجه الرفع أنه خبر للمبتدأ هو وما أضيف إليه . وقال الكسائي نصب ( يوم ) ها هنا لأنه مضاف إلى الجملة ، وأنشد : على حين عاتبت المشيب على الصبا * وقلت ألما أصح والشيب وازع وبه قال الزجاج ، ولا يجيز البصريون ما قالاه إلا إذا أضيف الظرف إلى فعل ماض . وقرأ الأعمش ( هذا يوم ينفع ) بتنوين يوم كما في قوله - واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا - فكلاهما مقطوع عن الإضافة بالتنوين ، وقد تقدم تفسير قوله ( لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ) . قوله ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) أي رضي عنهم بما عملوه من الطاعات الخالصة له ، ورضوا عنه بما جازاهم به مما لا يخطر لهم على بال ولا تتصوره عقولهم ، والرضا منه سبحانه هو أرفع درجات النعيم وأعلى منازل الكرامة ، والإشارة بذلك إلى نيل ما نالوه من دخول الجنة والخلود فيها أبدا . ورضوان الله عنهم . والفوز : الظفر بالمطلوب على أتم الأحوال . قوله ( لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شئ قدير ) جاء سبحانه بهذه الخاتمة دفعا لما سبق من إثبات من